ما حكم التأمين التجاري

بواسطة:
ما حكم التأمين التجاري

ما حكم التأمين التجاري

كثيراً ما يتساءل المسلمين عن ما حكم التأمين التجاري والمعروف أيضاً بالضمان التجاري وهو أحد الوسائل التي يتم اللجوء إليها لمواجهة ما قد يتعرض إليه الإنسان من مخاطر في أمواله خلال فترة الحياة وذلك من أجل التخفيف من وطأتها، وهو تأمين تقوم بإجرائه وإبرام العقود الخاصة به الشركات التجارية، وسوف نعرض في مخزن حكم ذلك التأمين بالأدلة الشرعية.

ينقسم التأمين إلى قسمين أولهما التأمين التجاري ويكون تأمين على البناء أو السيارة أو على النفس والحياة بالمال حيث يقوم الشخص بدفع ذلك المال إلى الشركات على صورة أقساط في أوقات محددة، وفي الحالة التي تخرب بها السيارة تقوم الشكة بإصلاحها، أو أن احترق المنزل أو البناء، وكذلك التأمين على الحياة الذي إذا مات به الشخص أو قتل يقوموا بأداء ديته وقد أقر العلماء بتحريم ذلك النوع من التأمين لما يتضمنه من الغرر والربا.

وفي الأعوام الأخيرة قد صدر قرار من مجلس هيئة كبار العلماء بالتحريم الواضح والصريح للتأمين التجاري، أما القسم الثاني من التأمين فهو التأمين التعاوني الذي يتم فيما بين المسلمين وبعضهم ولا يقصد منه الغرر أو الربا، ولكنه يهدف إلى التعاون بين المسلمين مثل أن يجتمع أهل حي أو قرية أو قبيلة، على بذل مبلغ من المال، ويقولون تلك الأموال نجمعها لمساندة أحد الفقراء من بينهم، أو تعويض من أصيب في حادث أو انقلاب سيارة، فالتأمين التعاوني أحد صور الأعمال الصالحة.

حكم التأمين التجاري هيئة كبار العلماء

التأمين التجاري هو ما يتقدم به شخص إلى إحدى شركات التأمين ينعاقد معها وفق ما تضعه من أنظمة سداد على أن يقوم بدفع مبلغ سواء بشكل شهري أو سنوي للتأمين على السيارة، أو البيت، جزء من الجسد، الحياة، أو الولد، فإن أصابه شيء أو ضر فيما هو مؤمن عليه تقوم الشركة بإصلاحها له على نفقتها أو منحه مبلغ من المال أو لأهله وذويه في حالة وفاته، وهو محرم باتفاق أهل العلم من المسلمين.

ولعل الحكمة من تحريم ذلك النوع من التأمين ترجع إلى ما يتضمنه التأمين التجاري من الربا والغرر، كما أن من يقوم بأقساط التأمين تلك قد لا يكون ما يقع عليه من ضرر مستحقاً لإصلاحه جميع تلك المبالغ التي يقوم بإنفاقها، بل إنه قد لا يصيبه أي ضرر أو كارثة حلت به فيضيع عليه ماله الذي قام بدفعه هباءً مما يجعل الأمر يأخذ حكم الربا والغرر، وأحياناً ما يتم الحكم على الأمر من منظور آخر وكأن يكون دفع إلى الشركة مائة على سبيل المثال وأخذ في مقابلها من الشركة ألف نتيجة ما أصابه فكافة تلك الحالات من التأمين حكمها التحريم وعدم الجواز.

وقد وردت تلك الصورة من التأمين في مسألة الضمان بالشريعة الإسلامية التي قد بينت أنه من غير الجائز لشخص أي يضمن مال غيره سواء بالقيمة أو بالمثل إلا من كان قد استولى بغير حق على ذلك المال أو أضاعه على صاحبه، أو أنه قد أفسد عليه الانتفاع به مثل أن أغرقه أو هدمه أو أحرقه وغيرها من وسائل الإتلاف ولا يتحقق أياً من هذه الصور في التأمين التجاري.

دليل تحريم التأمين التجاري

كما لا تبيح الشريعة الإسلامية كسب مال الناس بغير حق كما تفعله شركات التأمين، والدليل على ذلك ما ورد في قوله تعالى بسورة النساء الآية 29 (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)، إذ أن عمل شركات التأمين أنها تقوم باستثماره بالقروض الربوية وما إلى نحوها، ثم تقوم بدفع ما يلزمها به عقد التأمين من تعويضات على التلفيات والخسائر من خلال ما تجمعه من أرباح كبيرة.

وقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع الغرر)، ويعرف الغرر في اللغة أنه الخطر الذي لا يدري أحد ما إذا كان سيقع أم أنه غير ذلك، مثل بيع الطير في الهواء، أو بيع السمك في الماء حيث إن المشتري قد يحصل عليه أو أنه لا يتمكن من ذلك.

وقال الخطابي رحمه الله :”أَصْل الْغَرَر هُوَ مَا طُوِيَ عَنْك وَخَفِيَ عَلَيْك بَاطِنه، وَكُلّ بَيْع كَانَ الْمَقْصُود مِنْهُ مَجْهُولًا غَيْر مَعْلُوم أَوْ مَعْجُوزًا عَنْهُ غَيْر مَقْدُور عَلَيْهِ فَهُوَ غَرَ، وَأَبْوَاب الْغَرَر كَثِيرَة، وجماعها : ما دخل في المقصود منه الجهل”.

قال النووي رحمه الله :”وَأَمَّا النَّهْي عَنْ بَيْع الْغَرَر فَهُوَ أَصْل عَظِيم مِنْ أُصُول كِتَاب الْبُيُوع , وَيَدْخُل فِيهِ مَسَائِل كَثِيرَة غَيْر مُنْحَصِرَة كَبَيْعِ الْمَعْدُوم وَالْمَجْهُول، وَنَظَائِر ذَلِكَ، وَكُلّ هَذَا بَيْعه بَاطِل لِأَنَّهُ غَرَر مِنْ غَيْر حَاجَة، وعلى ذلك فإن الغرر الكثير متفق بتحريمه لدى فقهاء الإسلام في حين يجوز التسامح في القليل منه.

وعقد التأمين التجاري هو من العقود التي تنطوي على الكثير من الغرر، بل إن رجال القانون قد أقروا أن عقد التأمين هو عقد احتمالي وهو ما يفيد الغرر حيث إن المؤمن والمؤمن له كليهما لا يعلمان وقت التعاقد مقدار ما سوف يعطي أحدهما أو سيأخذ، حيث قد يدفع المؤمن له قسط واحد فتقع الكارثة وهنا يستحق كامل ما التزم به المؤمن له، أو أن يظل في سداد تلك الأقساط دون أن تقع أي كارثة فلا يأخذ شيئاً.

عقد التأمين التجاري من القمار

لا يقصد بالقمار في تلك المسألة معناه الشهير لدى الناس ولكن المقصود هنا المقار بالمعنى العام وهو في الإسلام ما يعرف بالميسر الذي قال فيه سبحانه وتعالى في سورة المائدة الآية التسعون (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

حيث إن معنى القمار أن يقوم الإنسان بدفع شيء أو مبلغ من ماله وذلك على سبيل المخاطرة، وهو إما أن يربح منه أكثر ما قام بدفعه، أو أن يخسر كل ما قام بدفعه من مال، كما أن عقد التأمين التجاري هو عقد معلق على خطر فهو إما أن يقع ذلك الخطر أو لا يقع.

التأمين التجاري ربا نسيئة وفضل

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ) .

حيث يدل الحديث الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من باع الذهب بالذهب عليه أن يقوم في البيع بالتقابض والتساوي، أي يبيع الجرام بالجرام دون زيادة وأن يتم التقابض في نفس المجلس، ومن غير الجائز أن يتفرق البائع والمشتري دون إتمام البيعة وأن يقبض كل منهما حقه.

حيث إنه إذا تم بيع الذهب مع التفاضل بذهب وقعا بربا الفضل، وإن لم يحصل التقابض فإن ربا النسيئة يكون قد تحقق وهو ربا التأخير لأن القبض قد تأخر، وهو الأمر في حالة الفضة، ومن المعروف في الشريعة الإسلامية أن الأوراق النقدية تأخذ حكم الفضة والذهب فمن غير الجائز أن يتم إعطاء مال دون الحصول على المنفعة أو أن يتم تأجيل الحصول عليها فكيف يكون الأمر إن لم تتحقق تلك المنفعة على الإطلاق، ومما ذكر يتضح بشكل لا شك فيه ولا جدال أن التأمين التجاري مشتمل على الربا بنوعيه ربا النسيئة وربا الفضل.

وبذلك نكون قد تعرفنا في مخزن على ما حكم التأمين التجاري في الشريعة الإسلامية والذي ورد بإجماع فقهاء الإسلام أنه حرام وغير جائز، كما قد عرضنا الأدلة الشرعية التي تؤكد ذلك الحكم، نتمنى في الختام أن يكون مقالنا قد أفادكم.

المراجع

1

2

3